خطر المنافقين في التخذيل وبث الفتنة
مقالة في تفسير أثر المنافقين في إضعاف الصف وبث الفتنة، وربط ذلك بوسائل التواصل والتخذيل المعاصر تجاه قضايا الأمة.
﴿ لَوۡ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمۡ إِلَّا خَبَالٗا وَلَأَوۡضَعُواْ خِلَٰلَكُمۡ يَبۡغُونَكُمُ ٱلۡفِتۡنَةَ وَفِيكُمۡ سَمَّٰعُونَ لَهُمۡۗ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِٱلظَّٰلِمِينَ ﴾ [التوبة: 47] أي: لو كانوا معكم في المعركة ما زادوكم إلا اضطرابًا في الرأي، وفسادًا في العمل، وضعفًا في القتال، وخللًا في النظام، والمراد: ما زادوكم قوة ومنعة وإقدامًا، كما هو شأن القوة العددية المتحدة في العقيدة والمصلحة، بل ضعفًا وفشلًا ومفسدة، كما حصل في غزوة حنين؛ فإن المنافقين ولوا الأدبار في أول المعركة، وتبعهم ضعفاء الإيمان من المؤلفة قلوبهم من طلقاء فتح مكة، فاضطرب لذلك الجيش كله وفسد نظامه، فولى أكثر المؤمنين معهم بلا رويَّة ولا تدبر، كما هو شأن جماعات البشر في مثل هذه الأحوال.
هذا خطر المنافقين في الزمن الأول، لأنه لا سبيل لهم في الوصول إلى المقاتلين وبث سمومهم بينهم إلا بوجود المنافقين في صف المقاتلين وذهابهم معهم في الجيش، وأما اليوم فالخطر أشد، فلا حاجة للمنافق أن يخاطر بنفسه ويدخل أرض المعركة ليفسد نوايا المقاتلين ويفتَّ في عضدهم، ويفرِّق جماعتهم، ويشككهم في دينهم وعقيدتهم، المنافق اليوم يستطيع وهو قاعد في بيته بث سمومه عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويعمل أشد مما كان يعمله المنافق في الزمن الأول، لأن عمله يكون مدعومًا بصور ومشاهد وربما مقاطع ملفقة، وغيرها من سبل التخذيل والتشكيك وقلب الحقائق.
ولذلك، هذه الآية تنطبق على منافقي هذا العصر تمام الانطباق، سواء كان هذا المنافق يحمل شعار الدين باسم شيخ، أو داعية، أو طالب علم، أو يحمل صفة أخرى كإعلامي، أو سياسي، أو مسؤول، أو ناشط، أو طبيب، أو صانع محتوى، أو غير ذلك من المسميات المعاصرة، كلها تشملها الآية بغير استثناء.
فلا نعجب مما نراه اليوم من التشكيك في حرب المقاومة الفلسطينية، أو الحركات المتفرعة عنها لمحاربة الكيان المحتل، ومن ورائه من النصارى والمنافقين، والإصرار على ذلك بحجج واهية يختلقها من هذا حاله، فهؤلاء إما صهيوني حقيقة أو مجنَّد، وإما مغفل مرد على النفاق، وبلغ النفاق شغاف قلبه وهو لا يشعر، ولا مجال لإحسان الظن في هذه المواطن التي يلتحم فيها صف المؤمنين الصادقين الصابرين مع صف الكفار والمنافقين، ولمدة طويلة كهذه الحرب الدائرة الآن في أرض العزة والشرف غزة الأبية، لا يُحسن الظن أبدًا في هذه المواطن، فهي مواطن الدعم والنصرة والمؤازرة بكل شيء، ولا وقت للكلام حتى على الأخطاء - إن وجدت - فضلًا عن التشكيك، والتبديع، وبث أسباب الفرقة، ولا يفعل ذلك في هذا الوقت إلا عدو متصهين أو منافق، والعياذ بالله