اعتبار المآلات في الدعوة إلى الحق
مقالة في فقه اعتبار المآلات وسد الذرائع، وبيان أن الداعية مطالب بالحكمة حتى لا يترتب على قوله أو فعله مفسدة أعظم.
قال تعالى (وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ كَذَٰلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (108)
تدل هذه الآية العظيمة على أن الداعي إلى الحق والناهي عن الباطل مطالب بأن ينظر في مآلات أقواله وأفعاله، فإن خشي أن يترتب على إنكاره مفسدة أعظم من انتهاك حرمات أو الوقوع في باطل أشد، كان الترك أولى به بل قد يكون واجبا و حتى لا تكون النتيجة بخلاف المقصد، ويدخل في هذا كثير من الأعمال أو الأقوال التي يفعلها البعض من التصرفات والأقوال التي تصدر من بعض الناس دون فقه أو حكمة، فيُساء بها إلى الحق من حيث لا يشعر صاحبها فيجلب بسببها السبّ والبغض نظرا لوضع القول أو الفعل في غير موضعه المناسب فتكون النتيجة تنفيرًا بدل هداية وإفسادًا بدل إصلاح. وقد يكون سبب ذلك سلوكا خاطئا من الداعي في تعامله أو في نظرته إلى الناس كالتعالي عليهم أو الغلظة في الخطاب، فيُحجب الحق بسبب هذه التصرفات و يصدّ الناس عنه لا لضعف في الحق ولكن لسوء حَملة هذا الحق .
وقد ذهب جمهور أهل العلم إلى أن هذه الآية محكمة ثابتة غير منسوخة وهي أصل أصيل في سد الذرائع وقطع التطرق إلى الشبه، وهي أصل عظيم في سدّ الذرائع واعتبار المآلات، وعن ابن عباس قال قالوا يا محمد- صلى الله عليه وسلم - لتنتهين عن سبك آلهتنا أو لنهجون ربّك فنهاهم الله أن يسبوا أوثانهم فيسبوا الله عدواً بغير علم. وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم قال: " ملعون من سب والديه، قالوا يا رسول الله وكيف يسب الرجل والديه؟ قال: يسب أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه فيسب أمه". والحديث في معنى الآية.
وفي ذلك تنبيه للدعاة إلى الله أن المقصود من الدعوة هداية الخلق لا مجرد الانتصار للنفس أو إظهار الغلبة، وأن الحكمة وحسن تقدير المآلات من أعظم أسباب قبول الحق كما أن سوء الأسلوب قد يكون سببا في رده والإعراض عنه.
والله ولي التوفيق.