انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً
مقالة في وجوب نصرة أهل الحق والدفاع عن العلماء والدعاة، وعدم إسقاط الناس بسبب الزلات والأخطاء الفردية.
انصر أخاك ظالما أو مظلوما….
نصرة الحق والوقوف مع أهله والدفاع عنهم من أوجب الواجبات التي أوجبها الإسلام على المسلمين، والأدلة والبراهين على ذلك أكثر من أن تُحصى، خاصة إذا كان المطعون فيه من أهل العلم والخير، حتى لو وقع منه خطأ أو زلة من الزلات، لأن الذي ينبغي هو نسبة الإنسان إلى الحالة التي عرف واشتهر بها من العلم والخير، لا أن ينسب إلى الخطأ أو الزلة التي وقع فيها، والدليل على ذلك:
قول النبي صلى الله عليه وسلم: ما خلأت القصواء وما ذاك لها بخلق.
جاء في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في طريقه إلى مكة في غزوة الحديبية… وسَارَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ حتَّى إذَا كانَ بالثَّنِيَّةِ الَّتي يُهبَطُ منها عليهم، بَرَكَتْ به رَاحِلَتُهُ، فَقالَ النَّاسُ: حَلْ حَلْ، فألَحَّتْ، فَقالوا: خَلَأَتِ القَصْوَاءُ، خَلَأَتِ القَصْوَاءُ، فَقالَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: ما خَلَأَتِ القَصْوَاءُ، وما ذَاكَ لَهَا بخُلُقٍ، ولَكِنْ حَبَسَهَا حَابِسُ الفِيلِ.
قال ابن حجر: قَوْلُهُ: (وَمَا ذَاكَ لَهَا بِخُلُقٍ) أَيْ بِعَادَةٍ.
قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ وَغَيْرُهُ: فِي هَذَا الْفَصْلِ.. جَوَازُ الْحُكْمِ عَلَى الشَّيْءِ بِمَا عُرِفَ مِنْ عَادَتِهِ، وَإِنْ جَازَ أَنْ يَطْرَأَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ؛
فَإِذَا وَقَعَ مِنْ شَخْصٍ هَفْوَةٌ لَا يُعْهَدُ مِنْهُ مِثْلُهَا؛ لَا يُنْسَبُ إِلَيْهَا، وَيُرَدُّ عَلَى مَنْ نَسَبَهُ إِليها، وَمَعْذِرَةُ مَنْ نَسَبَهُ إِلَيْهَا مِمَّنْ لَا يَعْرِفُ صُورَةَ حَالِهِ؛ لِأَنَّ خَلَاءَ الْقَصْوَاءِ لَوْلَا خَارِقُ الْعَادَةِ لَكَانَ مَا ظَنَّهُ الصَّحَابَةُ صَحِيحًا، وَلَمْ يُعَاتِبْهُمُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى ذَلِكَ لِعُذْرِهِمْ فِي ظَنِّهِمْ”.
وقال ابن القيم عند كلامه على قصة الحديبية وما فيها من الفوائد الفقهية: “ومنها: ردُّ الكَلامِ الباطِل ولو نُسِبَ إلى غير مُكَلَّفٍ؛ فإنهم لما قالوا: خلأتِ القَصْوَاءُ، يعني حَرَنَتْ وألحَّتْ، فلَمْ تَسِرْ، والخِلاء في الإبل بكسر الخاء والمدِّ نظير الحِران في الخيل؛ فلما نسبُوا إلى الناقة ما ليس من خُلُقِهَا وطبعها، ردَّهُ عليهم، وقال: (ما خَلأَتْ ومَا ذَاكَ لَهَا بِخُلُق)،
ثم أخبر عن سبب بروكها، وأن الذي حَبَسَ الفيلَ عن مكة حبسها للحكمة العظيمة التي ظهرت بسبب حبسها، وما جرى بعده”. اهـ
والمعنى أن ناقة النبي صلى الله عليه وسلم بركت ولم تقم مع نهر الصحابة لها، وهو ما جعلهم يقولون خلأت، أي حرنت، وهذه الصفة عيب في الحيوانات التي تُركب كالإبل والخيل وغيرها، ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم دافع عن ناقته التي تسمى القصواء ونفى عنها ذلك العيب الذي وصفت به بسبب ذلك الموقف الوحيد لها، وذكر النبي عليه الصلاة والسلام عذرها في ذلك، وأنها حُبست بسبب حابس الفيل، والمقصود أنها حبست بقدرة الله الذي حبس الفيل عندما جاء لهدم الكعبة.
والمراد من هذا أن الدفاع عن المظلوم مطلوب ولو كان حيوانا لا يعقل، فضلا عن الإنسان، فضلا عن المسلم، وكيف لو كان المظلوم أو المتكلم فيه من أهل الحق الواضح أو من أهل العلم والصلاح؟
صفته لا يحل لأحد كائنا من كان أن يبدعه، وإلا فقد اتبع غير سبيل المؤمنين الذين لم يبدّعوا الإمام الجليل قتادة بن دعامة السدوسي المتوفى سنة 117 في قوله في القَدَر.. حيث قال الذهبي عنه في السير (271/5): “ … وَكَانَ مِنْ أَوْعِيَةِ العِلْمِ، وَمِمَّنْ يُضرَبُ بِهِ المَثَلُ فِي قُوَّةِ الحِفظِ … وَهُوَ حُجّةٌ بِالإِجْمَاعِ إِذَا بَيَّنَ السَّمَاعَ، فَإِنَّهُ مُدَلِّسٌ مَعْرُوْفٌ بِذَلِكَ، وَكَانَ يَرَى القَدَرَ - نَسْأَلُ اللهَ العَفْوَ -. وَمعَ هَذَا، فَمَا تَوقَّفَ أَحَدٌ فِي صِدقِه، وَعَدَالَتِه، وَحِفظِه، وَلَعَلَّ اللهَ يَعْذُرُ أَمْثَالَه مِمَّنْ تَلبَّسَ بِبدعَةٍ يُرِيْدُ بِهَا تَعْظِيْمَ البَارِي وَتَنزِيهَه، وَبَذَلَ وِسْعَهُ، وَاللهُ حَكَمٌ عَدلٌ لَطِيْفٌ بِعِبَادِه، وَلاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ. ثُمَّ إِنَّ الكَبِيْرَ مِنْ أَئِمَّةِ العِلْمِ إِذَا كَثُرَ صَوَابُه، وَعُلِمَ تَحَرِّيهِ لِلْحقِّ، وَاتَّسَعَ عِلْمُه، وَظَهَرَ ذَكَاؤُهُ، وَعُرِفَ صَلاَحُه وَوَرَعُه وَاتِّبَاعُه، يُغْفَرُ لَهُ زَلَلُهُ، وَلاَ نُضِلِّلْهُ وَنَطرْحُهُ وَنَنسَى مَحَاسِنَه. نَعَم، وَلاَ نقتدِي بِهِ فِي بِدعَتِه وَخَطَئِه، وَنَرجُو لَهُ التَّوبَةَ مِنْ ذَلِكَ.”
وقال ذلك في غير قتادة، فقد وقع غيره في نفس ما وقع فيه، فقال الذهبي في السير (21/7): “قد لطخ بالقدر جماعة وحديثهم في الصحيحين أو أحدهما، لأنهم موصوفون بالصدق والإتقان”.
وقال في (374/14) عن محمد بن إسحاق بن خزيمة النيسابوري المتوفى سنة 311: “ وَلابْنِ خُزَيْمَةَ عَظَمَةٌ فِي النُّفُوْسِ، وَجَلاَلَةٌ فِي القُلُوْبِ؛ لِعِلمِهِ وَدِينِهِ وَاتِّبَاعِهِ السُّنَّةَ.