الشيخ علي أبوالقاسم البوسيفي
مقالة

إنكار المنكر على ولاة الأمور

Invalid Date

مقالة في بيان مشروعية إنكار المنكر على ولاة الأمور بضوابطه الشرعية، والرد على شبهة اعتبار الإنكار عليهم من الخروج.

إنكار المنكر على ولاة الأمور.

إنكار المنكر عموما على ولاة الأمر أو غيرهم هو من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ويشترط فيه ما يشترط في النصيحة من شروط كاختيار الوقت المناسب والأسلوب الحسن والسرية في النصيحة إذا كان مرتكب المنكر مستترا على نفسه ولا يظهر ذلك المنكر علنا أمام الناس. ويدخل ذلك كله تحت قول النبي صلى الله عليه وسلم: (الدين النصيحة) .

أما إذا كان المنكر معلناً مجاهرا به فاعله، أو لم يكن هناك سبيل لنصحه سرا، فإن الواجب بيان الحق للناس وإنكار ذلك المنكر ويجب على أهل العلم بيان ذلك المنكر والتحذير منه ومن فاعله سواء كان من عامة الناس أو من ولاة الأمر ولا فرق في ذلك، حتى لا يصدق فينا قول النبي صلى الله عليه وسلم: "ِإنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ، وَأيْمُ اللَّهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا" رواه مسلم. ومن أعظم شبهات عصرنا التي سُخِّرت لها المنابر والخطب والمحاضرات وألّفت فيها الكتب، وعجّت بها صفحات التواصل الاجتماعي، ووجِّهت لها الأموال وروّجها الإعلام الفاسد هي شبهة: “حرمة وجرم إنكار المنكر على ولاة الأمر”، ولو فعلوا ما فعلوا فلا يجوز الإنكار عليهم بحال.

وقد أدّت هذه الحملة إلى التأثير على عقول كثير من الناس وخاصة الشباب، حتى صار بعضهم يظنّ أن من ينكر على ولي الأمر أصبح خارجيّا و ارتكب منكرا شنيعا! وأن ذلك من مذهب الخوارج، وهذا من ثمار مشايخ السوء وعلماء السلطان، وزاد ذلك غموضا سكوت الكثير من أهل العلم.

وهذا بخلاف أمر النبي صلى الله عليه وسلم الصريح في ذلك، فعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «سَتَكُونُ أُمَرَاءُ فَتَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ، فَمَنْ عَرَفَ بَرِئَ، وَمَنْ أَنْكَرَ سَلِمَ، وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ» قَالُوا: أَفَلَا نُقَاتِلُهُمْ؟ قَالَ: «لَا، مَا صَلَّوْا». صحيح مسلم

فجعل النبي صلى الله عليه وسلم الإنكار والبيان والتبري من المنكر نجاة للشخص من العقوبة بخلاف من رضي وتابع فهو متوعد بالعقوبة.

قال صاحب المفاتيح في شرح المصابيح: "فمن أنكر فقد برئ" أي: فمن أنكر أفعالهم وأقوالهم القبيحة بلسانِهِ "فقد برئ" من الإثم، ومن لم يقدر أن ينكرها بلسانه، وكرهها بقلبه فقد سلم من الإثم أيضًا، ولكن "مَنْ رضيَ وتابَع"؛ يعني: ليس على المُنْكِرِ والكَاره إثمٌ، ولكنَّ الإثم على من رضيَ وتابَعَ أفعالهم وأقوالهم القبيحة. اهـ المفاتيح في شرح المصابيح (4/ 291).

قال الطيبي: أي تعرفون بعض أفعالهم وتنكرون بعضها. يريد أن أفعالهم تكون بعضها حسناً وبعضها قبيحاً، فمن قدر أن ينكر عليهم قبائح أفعالهم وسماجة حالهم وأنكر، فقد برئ من المداهنة والنفاق، ومن لم يقدر علي ذلك ولكن أنكر بقلبه وكره ذلك، فقد سلم من مشاركتهم في الوزر والوبال، ولكن من رضي بفعلهم بالقلب وتابعهم في العمل فهو الذي شاركهم في العصيان، واندرج معهم تحت اسم الطغيان. وحذف الخبر في قوله "من رضي" لدلالة الحال، وسياق الكلام على أن حكم هذا القسم ضد ما أثبته لقسيميه، وإنما منع عن مقاتلتهم ما داموا يقيمون الصلاة التي هي عماد الدين وعنوان الإسلام، والفارق بين الكفر والإيمان حذراً من هيج الفتن واختلاف الكلمة، وغير ذلك مما يكون أشد نكاية من احتمال نكرهم، والمصابرة على ما ينكرون منهم. اهـ شرح المشكاة للطيبي الكاشف عن حقائق السنن (8/ 2562).

فواضح من حديث النبي صلى الله عليه وسلم أن إنكار المنكر شيء، والخروج شيء آخر ولا رابط بينهما كما يسوق له المعاصرون أن مجرد إنكار المنكر يصنف فاعله من الخوارج أو القائلين بقول الخوارج وهذا شيء عجيب غريب يصادم الأحاديث النبوية المصرحة بوجوب إنكار المنكر، والأشد من ذلك مصادمة هذا القول لحديث النبي صلى الله عليه وسلم: "أَفْضَلَ الْجِهَادِ كَلِمَةُ حَقٍّ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ" رواه أحمد وابن ماجه وهو صحيح.

وحديث النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "سيِّدُ الشُّهداءِ حمزةُ بنُ عبدِ المطَّلبِ، ورجلٌ قام إلى إمامٍ جائرٍ فأمره ونهاه فقتله". رواه الحاكم وصححه. فكيف يكون إنكار المنكر خروجا وفي نفس الوقت شهادة وصاحبه سيد الشهداء !

ولو نظر المنصف إلى عمل الصحابة والسلف في هذه المسألة لوجد أن الإنكار على وليّ الأمر من باب الأمر بالمعروف وكان أمرا عاديًا عندهم، ولم يكن محلاً للخلاف أو التشنيع وسأضرب مثالًا واحدًا ولو أردتُ الإكثار لأطلت ولكن يكفينا هذا: وهو ما ذكر أن الصحابي الجليل عبادة بن الصامت رضي الله عنه أنكر على معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه وكان حينها أميرًا على الشام في خلافة عمر بعض تصرّفاته ولم يقبلها.

فقال عبادة لمعاوية: “لا أساكنك بأرض”، ثم خرج من الشام قاصدًا المدينة، فلما وصل إلى الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، سأله عن سبب قدومه، فأخبره عبادة بما أنكره على معاوية فقال عمر: “ارْجِع إلى مكانك، فقبح الله أرضًا لستَ فيها وأمثالك، فلا إمرة له عليك”، وفي رواية أنه كتب إلى معاوية: “أما بعد فلا إمرة لك على عبادة”. ومن أراد مزيدًا من الأمثلة، فليراجع قصة أبي سعيد الخدري رضي الله عنه وإنكاره على مروان بن الحكم وكان أميرًا على المدينة زمن معاوية عندما قدم الخطبة على الصلاة يوم العيد وإخراجه المنبر ولم يكن ذلك على عهد النبي صلى الله عليه وسلم.

فهذه أمثلة لصحابيّ ينكر على صحابيّ! فما بالك بمن دونهم؟! بل ما بالك بمن يعادي الصحابة أصلًا، أو يعادي الإسلام؟! ويجعل عداوته لكل ما هو إسلامي شعارا له ودثارا.

فالخلاصة؛ إن ما يقوم به بعض مشايخ السوء من تهويل وتحذير وتشنيع على كل من ينكر على أحد الولاة هذا إن كان أصلًا من الولاة الشرعيين إنما هو من الجرم والنفاق، وتبديل المصطلحات، لا من الدين في شيء.

ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

إنكار المنكرولاة الأمورالأمر بالمعروفالنصيحة